أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي
13
كتاب النسب
ملحة - أن نحيي تراثنا ونعرف به ، ولا يعني إحياء التراث مجرد طبع الكتب الصفراء على ورق أبيض ، وإنما هو اختيار لما هو ضروري وفعال بالنسبة للقضايا المعاصرة . إن للمجتمع الذي نعيشه مشاكله وقضاياه ، وللإنسان العربي آفاق مستقبلية يريد بلوغها ، فإذا كنا نحلم بالعدل الاجتماعي ففي تراثنا صفحات أبدعها مفكرون التزموا بالفكر الثوري والحركات الثورية ، نستطيع أن نجد في فكرهم النماذج والمثل - ولندع أفكار الغرب للغرب وأفكار الشرق للشرق - وإذا كنا نريد النصر على أعداء أمتنا ففي تاريخنا صفحات ناصعة لانتصارات أذهلت العالم ، وما علينا إلا أن نعود لاستذكارها ونستنتج منها كيف حققها أجدادنا ، وبما ذا ؟ فالتاريخ هو سجل لخلاصة تجارب الأمم ، وما علينا إلا الاستفادة من تجارب ماضينا لنصحح مسيرة حاضرنا ، وللعربي والمسلم أن يفخر ويعتز أنه سليل أمة أعطت العلوم بمجملها دفعا حضاريا ليس له مثيل ، وما علينا إلا أن نستعيد ثقتنا بأنفسنا - التي يحاول سلبها أعداء أمتنا - ونتمسك بجذورنا التي نتميز بها عن باقي الأمم ، وأن نأخذ من حضارة اليوم وأفكار الآخرين ما يتناسب مع هويتنا ويساعدنا على الصمود في وجه التحديات التي تواجهنا اليوم ، والتي غايتها إذابة شخصيتنا المتميزة وجعلنا تابعين في فلك الآخرين . . . هذا ما فعله أجدادنا في الماضي وعلينا نحن اليوم أن نتابع المسير . من هذه الأهمية العظيمة للتراث انطلقت في اختيار موضوعي ، أما كون الدراسة والتحقيق في مجال الأنساب خاصة ، فذلك يعود لكون علم الأنساب من العلوم الإنسانية الأصيلة ، وقد انفرد العرب في التخصص بمجاله وفاقوا الأمم الأخرى ، ويعتبر من السمات الهامة والمميزة للحضارة العربية والإسلامية ، وقد أكدت العلوم الحديثة كعلم الوراثة والأجناس والاجتماع والنفس وعلم التربية أصالة هذا العلم ووجوب العمل على إحيائه ودراسته ونستطيع أن ندرك مدى أهميته من حيث أنه لا يمكن لأي دارس أو باحث في علوم العربية والتاريخ في عصريهما الجاهلي والإسلامي وكذلك علوم الدين والشريعة الإسلامية الاستغناء عن الرجوع إلى مصادره . بل يجب أن يكون ملما إلماما شاملا بعلم الأنساب العربية قديمها وحديثها حتى يمكنه تفهم الأدب العربي والتاريخ العربي تفهما عميقا مبنيا على العلم الصادق والبحث الجاد . والعربي بطبيعته شغوف بعلم الأنساب سواء تحضر أو تبدى ، ولا يزال الاهتمام بهذا العلم مستمرا إلى يومنا هذا ولا سيما عند عرب البادية ، ولا نحتاج لإثبات ذلك إلى